القرطبي
61
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ( 105 ) . قوله تعالى : " ما يود " أي ما يتمنى ، وقد تقدم ( 1 ) . " الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين " معطوف على " أهل " . ويجوز : ولا المشركون ، تعطفه على الذين ، قاله النحاس . " أن ينزل عليكم من خير " " من " زائدة ، " خير " اسم ما لم يسم فاعله . و " أن " في موضع نصب ، أي بأن ينزل . " والله يختص برحمته من يشاء " قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " يختص برحمته " أي بنبوته ، خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم . وقال قوم : الرحمة القرآن وقيل : الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا ، يقال : رحم يرحم إذا رق . والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى ، قاله ابن فارس . ورحمة الله لعباده : إنعامه عليهم وعفوه لهم . " والله ذو الفضل العظيم " " ذو " بمعنى صاحب . قوله تعالى : ما ننسخ من اية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ( 106 ) . فيه خمس عشرة مسألة : الأولى - قوله تعالى : " ما ننسخ من آية أو ننسها " " ننسها " عطف على " ننسخ " وحذفت الياء للجزم . ومن قرأ " ننساها " حذف الضمة من الهمزة للجزم ، وسيأتي معناه . " نأت " جواب الشرط ، وهذه آية عظمي في الاحكام . وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الاسلام بذلك ، وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشئ ثم ينهاهم عنه ، فما كان هذا القرآن إلا من جهته ، ولهذا يناقض بعضه بعضا ، فأنزل الله : " وإذا بدلنا آية مكان آية ( 2 ) " وأنزل " ما ننسخ من آية " .
--> ( 1 ) يراجع ص 34 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 10 ص 176 .